الإرث الاستراتيجي والرابطة العرفانية؛ تبيين مكانة الاقتداء في القيادة المعنوية( القسم الاول)

الإرث الاستراتيجي والرابطة العرفانية؛ تبيين مكانة الاقتداء في القيادة المعنوية( القسم الاول)

كان سماحة آية الله السيد علي الخامنئي، خلال المرحلة العصيبة لتشكّل الثورة الإسلامية، إلى جانب الإمام، لا بصفته رفيقًا فحسب، بل بوصفه تلميذًا كان يحسن فهم «لسان حال الإمام» وإدراك مقاصده العميقة. وقد أفضت هذه الملازمة إلى أن تتجلّى «بصيرة الإمام» في نهجه القيادي وتستمر في مسيرة الثورة. ومن هنا، فإن تأكيده الدائم على السير في نهج الإمام الخميني (قدس سره) لم يكن إلا استحضارًا لذلك «العهد الأول». وكان هذا الاتباع، في حقيقته، صيانةً لأمانةٍ كبرى، أمانةٍ لم تغفل يومًا عن الغاية العليا، وهي إقامة العدل الإلهي في الأرض وكسر قيود الاستكبار، مرتكزةً في ذلك على مبادئ العزة والحكمة والمصلحة.

لقد عُرِّفت مفاهيم الإرث والخلافة والاتباع، عبر التاريخ الحضاري والسياسي، ضمن أطر مادية أو إدارية في الغالب؛ غير أن الحديث عن الولاية والقيادة المعنوية يرفع مفهوم الاتباع من مجرد تقليدٍ شكلي إلى مستوى «التلازم الوجودي». ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن اتباع الشهيد القائد لمنهج الإمام وسيرته ليس وصفًا لعلاقة تقليدية، بل تحليلٌ لرابطةٍ استراتيجية وعرفانية، رابطةٍ يبقى فيها الهدف ثابتًا لا يتغير، بينما تُعاد صياغة الوسائل بما ينسجم مع متغيرات الزمان.

وتسعى هذه الدراسة إلى بيان الكيفية التي كانت بها إرادة الشهيد القائد – أعلى الله مقامه الشريف – في إدارة النظام الإسلامي انعكاسًا لخارطة الطريق التي رسمها الإمام الخميني (قدس سره)، وإلى توضيح أن هذا الاتباع لم يكن اتباعًا جامدًا، بل حركةً متجددةً على طريق الحق والحقيقة وتحقيق المقاصد الإلهية.

تكوين الرابطة؛ من التلمذة إلى استمرار الرسالة

ولإدراك عمق هذا الاتباع، لا بد أولًا من العودة إلى جذور هذه الرابطة. فقد نشأت العلاقة بين الإمام الخميني (قدس سره) وآية الله الخامنئي في فضاء السلوك والجهاد. وفي الأدبيات العرفانية يبلغ التلميذ مرتبة الكمال حين يستوعب إرادة أستاذه، لا بمعنى أن يفقد استقلاليته، بل بمعنى أن تتوحد إرادته مع الغاية العليا التي يحملها أستاذه.

لقد كان سماحة آية الله الخامنئي، في سنوات الثورة الأولى، ملازمًا للإمام، يفهم مقاصده ويستوعب رؤيته، الأمر الذي جعل بصيرة الإمام تتجسد في سياسته القيادية. ولذلك، فإن تأكيده المستمر على السير في نهج الإمام لم يكن إلا تجديدًا للعهد الأول، وحفظًا للأمانة التي تقوم على العزة والحكمة والمصلحة، دون أن تحيد عن الهدف الأسمى المتمثل في إقامة العدالة الإلهية في الأرض وكسر قيود الاستكبار.

«جوهرةُ خزانةِ الأسرار هي هي كما كانت،

وخاتمُ المحبة ما زال يحمل الختم والعلامة نفسيهما.»

الثبات في الهدف والحيوية في الوسائل؛ بيان استراتيجية الاتباع

من أبرز سمات قيادة الشهيد القائد أنه استطاع أن يحقق توازنًا دقيقًا بين الثبات في الأهداف والمرونة في الوسائل. فقد كان الإمام الخميني (قدس سره) مهندس هذا المسار وهاديه، إذ رسّخ المبادئ الأساسية المتمثلة في الاستقلال، والإسلام، والجمهورية الإسلامية. ومن الواضح أن الاقتداء بالإمام الخميني في العصر الحاضر لا يعني مجرد تكرار كلماته، بل يعني تجسيد أفكاره وأهدافه وتطبيقها في ميدان التحديات المعقدة للقرن الحادي والعشرين.

فعلى سبيل المثال، في مواجهة الاستكبار العالمي، رسم الإمام الراحل طريق العزة والشجاعة وعدم الخضوع. وفي عهد الشهيد القائد تجسدت هذه العزة في تعزيز القدرة العسكرية، واعتماد الدبلوماسية القائمة على الصمود والمقاومة، ودفع عجلة التطور العلمي والتكنولوجي. وإذا تأملنا بدقة، وجدنا أن كل خطوة اتُّخذت في فترة قيادته – من دعم وتطوير فيلق القدس، إلى توسيع الحضور الثقافي والسياسي للجمهورية الإسلامية في المنطقة، وصولًا إلى دعم جبهة المقاومة – لم تكن إلا استكمالًا للرؤية التي وضع الإمام الخميني أسسها منذ انتصار الثورة.

ومن ثم، فإن عبارة «اتباع الإمام» لم تكن تعني السير خلف شخصٍ فحسب، بل تعني المضي في خط مستقيم يبدأ بالتسليم لإرادة الإمام وينتهي بالثقة المطلقة بوعد الله تعالى. وفي هذا الطريق، كان الشهيد القائد، بما امتلكه من بصيرة نافذة، يدرك متى ينبغي التشبث الصارم بالمبادئ، ومتى يكون من الحكمة والتدبير اعتماد مسار طويل الأمد يضمن الوصول الآمن إلى الأهداف التي رسمها الإمام. وهذا هو الاتباع الواعي؛ اتباعٌ لا يقوم على التقليد الأعمى، وإنما على الفهم العميق للمقاصد والغايات وتحليلها بعقلٍ راشد.

««من هام قلبُه بخطك الأخضر،

فلن يبرح هذه الدائرة ما دام حيًّا.»»

----------------

حجة الإسلام و المسلمين الدكتور علي كمساري ، رئيس مؤسسة تنظيم و نشر تراث الإمام الخميني (قده) 

----------------

القسم العربي ، الشؤون الدولية.

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء