لماذا هاجر الإمام إلى الكويت؟ ولماذا منعت الحكومة الكويتية دخوله؟ وكيف رافقه إبراهيم يزدي؟

لماذا هاجر الإمام إلى الكويت؟ ولماذا منعت الحكومة الكويتية دخوله؟ وكيف رافقه إبراهيم يزدي؟

من بين الأيام الحافلة بالأحداث في عام 1978، يمكن الإشارة إلى تشديد النظام البعثي العراقي الخناق على الإمام الخميني، ثم منع الحكومة الكويتية دخوله إلى أراضيها، وهي واقعة تحمل في طياتها رواية جديرة بالاستماع.

وبحسب مراسل «جماران»، فقد روى حجة الإسلام والمسلمين محمدرضا ناصري، الذي كان من رفاق نهضة الإمام الخميني في النجف، تفاصيل الأيام التي شدّد فيها النظام البعثي العراقي الضغوط على الإمام، والتي دفعته في النهاية إلى اتخاذ قرار مغادرة العراق، قائلاً:

كنا نعقد، أنا والحاج السید أحمد وأصدقاؤنا، جلسات تفاوضية على مدى أسبوع، ثم نعرض نتائجها على سماحة الإمام، وكان يوافق عليها. في الأيام الأولى، كان النقاش يدور حول المكان الذي ينبغي أن نذهب إليه وما الذي ينبغي أن نفعله. فقال الإمام: «ابحثوا في الأمر». اقترح البعض عدداً من الدول الأوروبية، لكننا لم نرَ تلك الدول مناسبة أو جديرة، وكان توجهنا أن نذهب إلى إحدى الدول الإسلامية. وفي هذا السياق، اقترح بعض الأصدقاء الجزائر، واقترح آخرون ليبيا.

درسنا الأمر، فوجدنا أن حكومتي البلدين ضعيفتان وتابعتان، وأن دولاً أخرى تفرض نفوذها عليهما، وبالتالي لم يكن هناك ما يضمن لنا الأمان أو الاستقرار الذي يسمح لنا بالمخاطرة. ومن جهة أخرى، لم تكن هناك مراقد لأبناء الأئمة أو مزارات تحظى باهتمام الشعب الإيراني.

ثم درسنا أوضاع سورية، فوجدنا أنها من حيث الإمكانات الاتصالية التي نحتاج إليها كانت أفضل من سائر الدول الإسلامية، فضلاً عن وجود مرقد السيدة زينب (عليها السلام) فيها، ووجود عدد كبير من الإيرانيين، الأمر الذي كان يتيح لنا إيصال رسائلنا عبر الزائرين الإيرانيين. ومن جهة أخرى، كانت سورية على خلاف مع العراق، وكان ذلك أيضاً ميزة، لكننا خشينا أن يمنع العراق وصولنا إليها، لأن الحدود بين العراق وسورية كانت مغلقة.

وفي النهاية، ولحل المشكلات المذكورة وعدم إثارة حساسية العراق تجاه الموضوع، اقترح أن نذهب إلى سورية عبر الكويت؛ وإلا فإن الكويت لم تكن في الأصل هي الوجهة المقصودة. وقد تم قبول هذا القرار، ووافق عليه الإمام أيضاً.

بعد ذلك، بدأ النقاش حول طريقة ووسيلة السفر. اقترح البعض السفر بالطائرة، لكننا قلنا إن الطائرة ليست وسيلة مأمونة، وقد يتعرض لها إطلاق النار ثم يقال إن الأمر انتهى، ولذلك ينبغي استبعاد الطائرة. غير أن مجموعة من الأصدقاء أصروا، مراعاةً لسن الإمام وتقدمه في العمر، على السفر جواً. وفي النهاية نقل الحاج السید أحمد وجهتي النظر إلى الإمام، فاختار السفر براً.

كان هناك طريق بري مباشر من النجف إلى البصرة. وكان هناك أيضاً طريق أقرب يبدأ من خلف النجف، ورغم أن الطريق كان سيئاً بعض الشيء، فإنه كان أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً. أما الطريق الثالث، فكان يقتضي التوجه إلى بغداد ثم البصرة، أي أنه كان يلتف حول الطريق ويكون أطول.

ثم طُرحت مسألة الحصول على التأشيرات. فأرسلنا السيد معزي، وتمكن من الحصول على التأشيرة. وكان من المقرر أن نتحرك عند الفجر، ونذهب إلى الحرم، ثم نغادر بالسيارات التي أُعدّت لنا، بحيث نصل إلى الحدود في وضح النهار. حتى إننا قررنا ألا نخبر زوجاتنا وأبناءنا بشيء، وقسّمنا فيما بيننا مهمة إحضار كميات محددة من الطعام، ودوارق الشاي وعصائر الفاكهة، ولم نخبر أحداً بالأمر.

تحركنا سراً وتوجهنا إلى الحرم، وعند عودتنا منه رأينا السيد إبراهيم يزدي هناك، فشككنا في الأمر. وبعد ذلك رافقنا حتى حدود الكويت، ثم وقعت الأحداث التي وقعت، واضطررنا إلى العودة إلى البصرة.

أقمنا تلك الليلة في البصرة، وفي الليلة نفسها كُلّفت بالعودة إلى النجف والاستفسار عن الأوضاع، لمعرفة ما إذا كان أحد قد علم بتحركنا أم لا. وفي الصباح، عندما وصلت إلى المطار، رأيت سماحة الإمام ينظر إلينا. كان عاطفياً جداً، وقال لنا: «كنت أفكر فيكم كثيراً وقلقت عليكم، وأنا الآن سعيد لأنكم عدتم».

حلّ الظهر، وأصبحت الساعة الثانية بعد الظهر. وبعد إعداد التذاكر، لم أتمكن من الذهاب لسببين: أولهما أنني كُلّفت بمهمة توزيع البيانات خلال موسم الحج، وثانيهما أن تأشيرتي لم تكن قد صدرت.

ذهبت أنا أيضاً إلى مكة، وبعد أن أنجزت مهامي، توجهت إلى باريس، ثم عدت برفقة الإمام إلى طهران.

كنا جالسين في المطار عندما أذاع الراديو، عند الساعة الثانية، نشرة الأخبار وأعلن الأخبار المتعلقة بإيران، وقال إن الإمام قد توجه نحو الكويت. فاتصل الأصدقاء هاتفياً بإيران، واستفسرنا عن الوضع، فعلمنا أن الناس، بعد سماع خبر هجرة الإمام، خرجوا في مظاهرات، وأن الحكومة واجهت المتظاهرين.

كان الإمام حزيناً جداً لأن الناس واجهوا مشكلات. وفي تلك اللحظة كنا نحن أيضاً قلقين على حال الإمام، كما كنا قلقين بشأن وضعنا ومسار رحلتنا المجهول. حينها رأيت الإمام جالساً على الكرسي، ثم غطى نفسه بعباءته ونام.

كنا نتوقعأن يخرج الناس في مظاهرات شديدة، لكن الإمام قال لنا: «أنا خجل من الناس، ولا أدري كيف أردّ هذه المشاعر وهذه المحبة التي أظهرها الناس». والله يعلم أنني بكيت في تلك اللحظة؛ فهذا الرجل، رغم كل هذا الوضع المجهول، كان يفكر في الناس إلى هذا الحد، في الوقت الذي كانت فيه عناصر الحكومة تواجههم في ذلك اليوم.

لقد كان يتمتع حقاً بروح عالية ونفس عظيمة، وكان يعمل دون انتظار أي مقابل. إن من يكون عمله خالصاً لله، ويكون مخلصاً إلى هذا الحد ولا ينتظر شيئاً، هو نموذج نادر.

تمت الرحلة صباح يوم الجمعة، وكان ذلك مساء الخميس، حين أراد الإمام أن يستريح. جئنا إلى بغداد بواسطة سيارات عراقية، تابعة لأولئك الذين كانوا من عناصر السافاك، والذين رافقونا بعدة سيارات.

وفي بغداد، نزلنا في فندق دار السلام الواقع في شارع سعدون. وفور وصوله، توضأ الإمام، وفرش عباءته وشرع في أداء الصلاة. كنا نفكر في مسألة الحمام والمنشفة هنا، وما الحكم الشرعي في ذلك، فإذا بنا نرى الإمام قد توضأ.

ثم اغتسل وجفف نفسه بالمنشفة نفسها، وخرج. وبعد ذلك فرش عباءته وأقام الصلاة، وكان القرآن الكريم أيضاً برفقته.

عند الغروب، أراد الإمام التوجه إلى الكاظمية. وكان يحمل حقيبة صغيرة، اعتاد أن تكون دائماً في يد الحاج أحمد آقا، ولم يكن يسلمها لأحد. كنت أريد أن أرافقهما أيضاً، فأشار الإمام إلى الحقيبة وسلمها إليّ. فقلت: «سمعاً وطاعة»، وبقيت.

وبعد فترة شعرت بالملل، فأغلقت باب الغرفة ونمت. وعندما فتحت عيني رأيت سماحة الإمام والحاج أحمد آقا واقفين أمامي. وعندما رأى الإمام أنني نائم، لم يقل شيئاً، ثم استيقظت على صوت أحد الأصدقاء.

في تلك الليلة، ذهب الأصدقاء لتناول الطعام، أما طعام الإمام فكان الخبز واللبن اللذان كانا معه.

وفي زيارة الكاظمية، كان إبراهيم يزدي أيضاً برفقة الإمام، ورافقه حتى باريس. وأعتقد أن أحد الأصدقاء أخبره سراً بخبر هجرة الإمام.

كنا ثمانية أشخاص نعلم بهجرة الإمام: أنا، والسادة دعائي، وإملايي، وفردوسي‌بور، والحاج أحمد آقا، وسماحة الإمام. كما علم السيد رضواني بالأمر لاحقاً.

في عملية اتخاذ القرار، كنا سبعة أو ثمانية أشخاص، وعند التحرك كنا خمسة أشخاص، لكن أولئك لم تكن لهم أي علاقة بيزدي. وكان السيد دعائي والحاج أحمد آقا وحدهما على اتصال به. وكنا نحاول ألا نتواصل معه.

ولعل أحد السادة رأى أن وجود شخص يجيد اللغات كان ضرورياً.

وبطبيعة الحال، ينبغي أن أقول إنه في البداية لم يكن مقرراً أن نذهب إلى باريس، ولكن عندما أغلقت الكويت حدودها أمامنا، قررنا ذلك في المطار.

-----------

القسم العربي، الشؤون الدولیة.

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء