مظلومية الامام وتداعيات الانحراف

مظلومية الامام وتداعيات الانحراف

بسم الله الرحمن الرحيم

بعض المدافعين عن الامام هم في الحقيقة يدافعون عن انفسهم. ذلك أنهم بدفاعهم عن الامام يتخذون من الامام ذريعة لتبرير أفعالهم. كذلك تمجيد الامام والدفاع عنه لا يراد منه الدفاع عن الامام دائماً، بل دفاع الشخص عن نفسه. أمثال هؤلاء  لا يهدفون الى لفت الانظار بأن الامام حاضر فاعل، وإنما محاولة البقاء في مأمن من النقد، لأن نقدهم يعني نقد الامام ايضاً. ولهذا فان مسؤولية مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني مسؤولية جسيمة، وبطبيعة الحال بما يتناسب مع امكاناتها ..

جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها حجة الاسلام والمسلمين سيد حسن الخميني، في الاحتفال الذي أقيم بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لتشكيل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني، موضحاً : باعتقادي ان الامام هو احد اكثر الشخصيات عرضة للظلم والتجني في مجتمعنا الحاضر. وكلمة ( عرضة للظلم  والتجني ) تفيد،  لو لم يكن الامام حاضراً بقوة  لما حظي بمحبة الناس وشغفهم الى هذا الحد. وكذلك لما كان موضع هجوم وتحامل اعدائه بالمقدار نفسه. ومما يذكران الامام  سبق ان قال للمرحوم السيد صانعي : " ان الرجل الحي الفاعل عرضة للسب والشتم، لأنه يشكّل مضايقة للبعض بنحو ما. فاذا كنت عرضة للسب والشتم، فهذا دليل على أنك حاضر وان هناك من يتضايق من وجودك ".

و لفت تذكار الامام الى ان الامام الماثل بين ظهرانينا  يتعرض للظلم اليوم. وبإعتقادي ان مظلومية الامام ينبغي التعرف عليها من خلال عدة عوامل  منها، ان أناس كثيرين لم يتعرفوا على الامام، ويجهلون الظروف التي كانت تحيط به، ولم يطلعوا على قبسات  من اشراقاته .. في الماضي كان ثمة تلامذة عرفوا الامام عن كثب  وتحدثوا عن معالم شخصيته. واليوم فان الذين رأوا الامام بأم العين تجاوزت اعمارهم الخمسين، واذا ما كانوا أحاطوا بمعالم شخصيته وادركوا أبعادها، فضلاً عن الرؤية والمشاهدة، فإنهم الآن في سنّ السبعين. ولا يخفى ان المجتمع الذي قَدٍم اليه الامام  لم يكن بالمجتمع  المتهور حتى يلتف  حول سماحته  98  بالمائة من افراده، بل كان مجتعاً واعياً ومدركاً لما يفعل. لقد أحب الامام قاطبة المسلمين في العالم، حتى المستضعفين،  وتفاعلوا معه بكل كيانهم، واحتل مكاناً  في قلوبهم.  

وأضاف : ربما لم يتبق من حلقة تلامذة الامام واولئك الذين حضروا درسه، غيراشخاص معدودين  ـ أسأل الله ان يحفظهم ـ  غير انهم في تناقص بنهاية المطاف وهذه سنّة الحياة. إذن مظلومية الامام الاولى هي أنه مجهول، وان اصحابه ومريديه لم يتمكنوا من نقل جانباً كبيراً مما يعرفونه الى من خلفهم. واذا كان بالامكان نقل العلوم، فان ذلك يتعذر على المشاعر والاحاسيس .. ما أتذكره هو أنه في العام الماضي وقبل أن يلقي سماحة القائد خطابه الشهير في مرقد الامام بمناسبة ذكرى الرابع عشر من خرداد، والذي تضمن عبارات قيمة عن الامام، كنت الى جوار سماحته. حيث قال : "  فكّرت ملياً ماذا أقول للجيل الجديد وكيف اتحدث اليه، حتى يعي ويدرك من هو الامام ؟! ". الحقيقة ان جانباً من ذلك عصي على  الشرح والتوضيح، لأن لحظتها يهيمن عليك احساس  يتعذر عليك نقله والتعريف به.

و اردف قائلاً : عامل المظلومية  الآخر،  الذي يعد اتفاقاً أهم من الاول،  هو اعتبار الامام مسؤولاً عن أمور لا دخل له فيها. والطريف ان خمس حكومات  تشكلت حتى الآن منذ ارتحال الامام الى يومنا هذا، إلا انه لازال ينسب الى الامام كل ما يحدث. الانسان مسؤول عن اعماله  وليس عن اعمال وقعت بعد 30 عاماً من ارتحاله، سواء كانت  اعمالاً جيدة أو سيئة. الامام ليس مسؤولاً عن تلك الاعمال  ولا دخل له فيها. فهل يتحمل النبي الاكرم (ص) مسؤولية ما حدث من بعده ؟ .. الثورة كانت عملاً عظيماً وكانت مؤثرة أيضاً.  ولكن ان تنسب كل شيء الى مؤسس مجموعة ما ، أمر يفتقر الى المبنى الشرعي، والاخلاقي، والعرفي.

و مضى سماحته يقول : لا يمكن القاء مسؤولية كل ما هو موجود في سلة الامام. ثمة مشكلات في غاية التعقيد مثل التضخم والغلاء. غير ان اعطاء توجيه خاطىء بالنسبة لجذور المشكلات، إنما هو مصداق لهذه المظلومية التي أشرت لها. وفي المقابل ثمة من يقول ان ثورة عام 1357 شمسي وراء كل المشكلات. فلابد من الرد على ذلك، لماذا تقولوا ثورة عام 1357 اصلاً ؟ قولوا ثورة المشروطة !. لماذا يحاول كل من ينزعج ويغضب  نسبت ذلك ـ حسبما يحلو له ـ الى السنوات الاربع والاربعين ؟ ان ما يحصل من احداث  تقع مسؤوليتها على عاتق المتصدين للمسؤولية في تلك المرحلة التاريخية. اما  ما اعقب تلك المرحلة ، هل يمكن  ـ مثلاً ـ ارجاع تفاصيل الوضع الموجود الى الحكومات الثلاث السابقة ؟ في حين ان المشكلات  والتحديات التي واجهت الثورة  ذات صلة بالحكومات العشر التي توالت على السلطة. ان القاء اللوم على الثورة وافكار الامام وتوجهاته، باعتبارها السبب الاول والاخير وراء المشكلات الراهنة غير صحيح. الصحيح هو امكانية البرهنة والاستدلال على أن الوضع الموجود هو ـ في الحقيقة ـ  نتيجة منطقية، قطعية، وحتمية لذلك المسار. ولكن اذا ما كنا نعتقد بان الوضع الموجود إنما هو حصيلة الانحراف عن تلك المبادىء والتوجهات، فلم يعد بالامكان تخطئة كل ما سبق والتشكيك في صحته.  

و يؤمن السيد حسن الخميني  بأن ما نشهده اليوم من هجوم وحملات خير دليل على حضورالامام وتأثيره الفاعل. لافتاً الى ان من يحاول تشويه صورة الامام والاساءة اليه، فان ثمة  ـ  في المقابل  ـ  من يودّ الامام ويذوب فيه عشقاً.

و يضيف سماحته : العامل الثالث  الذي يعبر عن مظلومية الامام هو، ان بعض المدافعين عن الامام إنما هم في الحقيقة يدافعون عن انفسهم. أمثال هؤلاء  بدفاعهم عن الامام يتخذون من الامام واجهة لتبرير افعالهم. كذلك تمجيد الامام والدفاع عنه لا يراد منه الدفاع عن الامام دائماً، بل محاولة  الشخص الدفاع عن نفسه. هؤلاء  لا يهدفون الى تأكيد حضور الامام وتأثيره، وإنما محاولة بقائهم  في مأمن من النقد،  لأن نقدهم يعني نقد الامام ايضاً. ولهذا فان مسؤولية مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني مسؤولية جسيمة، وبطبيعة الحال بما يتناسب مع امكاناتها.

و تابع سماحته : أننا مجموعة صغيرة، ولكن الله تعالى منّ علينا بلطفه وكرمه ولدينا  ثروة قيمة ينبغي تسخيرها  لتلافي هذه المظلومية. وان ما ينبغي التحلي به داخلياً ويحظى بالاولوية، هو مضاعفة الارادة والعزم وعدم التعاطي مع الاحداث بانفعالية. ذلك ان النظرة السطحية باتت السمة الغالبة للعديد من مثقفينا  الذين  اضحوا اسارى مواقع التواصل. فاذا ما ارادوا الحديث عن أمر ما ربما  يفضي الى الاثارة والحظر والاعجاب ، فانهم يتحفظون كثيراً  ازاء ذلك ويمتنعون عن تناوله.

و أشار تذكار الامام الى ان البعض يتسلم الاموال مقابل إثار الاجواء داخل شبكات التواصل الاجتماعي، فيما يفعل آخرون ذلك انطلاقاً من معتقداتهم. محذراً من  التكتم ازاء ما نؤمن به، موضحاً : لابد للانسان من البوح بمعتقداته،  والمضي قدماً فيما يؤمن به.    

و في جانب آخر من كلمته، تطرق تذكار الامام الى مسيرة عمل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني، معرباً عن شكره وتقديره لجهود العاملين في المؤسسة، سيما الادارة الحالية، لافتاً الى الآفاق المستقبلية لعمل المؤسسة، ومشدد على اهمية الرد على الشبهات خاصة تلك التي تستهدف شخصية الامام الخميني الراحل.   

---------------

القسم العربي ، الشؤون الدولية

           

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء