بمناسبة شهادة الامامين الهمامين، الحسن المجتبى والرضا عليهما السلام (القسم الثاني)

بمناسبة شهادة الامامين الهمامين، الحسن المجتبى والرضا عليهما السلام (القسم الثاني)

الفرقدان

و أما الحديث عما قام به خلفاء بني العباس، فمتشعب وطويل، لا سيما العداء لأهل البيت (ع) وحقدهم عليهم، بعد ان قام الداعية العباسي، ابراهيم الإمام (١٧)، بدعوته باسمهم، مطالبا بالثأر لهم من بني امية !، فاجتمع الناس حوله من كل مكان، صدقا بدعوته وكرها للامويين، ولما عانق الانتصار وأثمرت الدعوة، وبدأت أولى خطوات الخلافة العباسية، قلب ظهر المجن، وتلاقفها العباسيون، لقمة، سائغة، مريحة كبني امية! فكان ما كان لهم من عداء في السر والعلن لآل البيت (ع)، خوفا على عروشهم من الانهيار! فافرطوا في ملاحقة العلويين وأئمتهم الابرار (ع) واتباعهم، إلى حد فاقوا فيه بني امية! ... لقد " امتطی ناصية الخلافة بعدهم العباسيون، والذين تسربلوا بشعار مظلومیة أهل البيت (ع)، للوصول إلى سدة الخلافة، وإزاحة خصومهم الأمويین عنها، بيد انهم ما ان استقر بهم المقام، وثبتت لهم اركانه، حتى انقلبوا كالوحوش الكاسرة، في محاربتهم للشيعة وتشريدهم وتقتيلهم، فكانوا أسوأ من اسلافهم الأمويين وأشد اجراما، ولله در الشاعر حينما قال :

 والله ما فعلت امية فيهم

معشار ما فعلت بنو العباس. (١٨). وأراد المأمون، الذي تولى الخلافة بعد قتله لاخيه الأمين، ان يوهم الناس بعدله وسيرته الحسنة! وانه يختلف عما قبله من الخلفاء، خاصة، بالتقرب إلى العلويين والأئمة الأطهار (ع) وشيعتهم، الا ان ذلك سرعان ما انكشف للعيان، ووضحت وبانت السياسة التي اتبعها، كأداة معادية لهم، وكل ما يمت إليهم بصلة! ولما رأى " إقبال الناس على العلويين وعلى رأسهم الإمام الرضا (ع) " (١٩)، احتال بدعوته، ودس اليه السم، بعد ان منحه ولاية عهده، وابدل لباس العباسيين الأسود بالاخضر، الذي كان يرتديه الرضا (ع). وجاء ابنه المعتصم، وبعده الواثق، ثم اعتلى منصة الخلافة المتوكل، الذي اوغل في التعرض للعلويين كافة. قال أبو الفرج الاصفهاني: " كان المتوكل شديد الوطأة على آل ابي طالب (ع)، غليظا في جماعتهم، شديد الغيض والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم ... فبلغ فيهم ما لم يبلغه احد من خلفاء بني العباس قبله، وكان من ذلك أن كرب قبر الحسين (ع) وعفى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له، لا يجدون من زاره، الا اتوه به وقتله او أنهكه عقوبة. " (٢٠). .. واندثر المتوكل، كما اندثر قبله المأمون ... وبقي آل البيت (ع)، مصابيح منيرة لمسار السالكين في الحق، على مر الدهور والاعصار ... بقوا خالدين، منائر مشرقة، وعابرة للزمن إلى يوم الدين، وبقي الإمام الرؤوف (ع) شامخا ونورا يضئ الدروب، وفرقدا للتائهين والضالين في كل مكان. كانت شهادته (ع) " صفر، سنة ثلاث ومائتين "، كما جاء في (الإرشاد) للمفيد (رض) وفي ( الكافي ). (٢١)، " وكان عمره الشريف يومئذ ٥٥ سنة، ولكن وقع الاختلاف في اليوم الذي استشهد فيه. قال ابن الاثير والطبرسي وجمع آخر، انه كان في اليوم الآخر من الشهر. " (٢٢)، اي: شهر صفر. وما أحداث الثورة، وابتداء الحركة الإسلامية، ضد الحكم البهلوي العميل، ونضال علماء الدين، خاصة الإمام الخميني (قده)، الا دليل وبرهان مبين على ديمومة مسيرة رجال الله تعالى، تتبعا لخطوات الأئمة الأطهار (ع)، على طريق إحقاق تعاليم الإسلام، كما كانت عليه، لا كما أراد لها بنو امية وبنو العباس، ومن سار على نهجهم لحد الان، وتشهد على ذلك، ما قام به الأعداء لوأد الثورة الإسلامية، وإسقاط الحكم الذي جاءت به، منذ انتصارها عام ١٩٧٩، فمن الحرب المفروضة وسنينها العجاف الثمان، إلى الحصار الظالم، الذي بدأ جداره بالتصدع، مؤذنا بالانهيار ... وأعمال الشغب المتتالية، ونزول اقزام مرتزقة إلى الشوارع والساحات، صارخين بمنح المرأة حريتها! متناسین انها في الغرب، ليست الا أداة بيد سماسرة الرق الجديد !، فلا دين او تشريع، أعطى للمرأة حقها، وحفظ كرامتها وأجلها، في العالم غير الإسلام وشريعته السماوية السمحاء، التي تسير عليها الثورة المباركة. قال مفجر الثورة، الإمام الخميني (قده)، مشيرا إلى صلح الإمام المجتبى (ع) مع معاوية: " ... قام الخونة الذين احاطوا به (٢٣)، باجباره على الصلح، فكان صلحا قسريا ... وبعد ابرام الصلح، وحسب ما جاء في الرواية، ارتقى معاوية المنبر وقال ( الا ان كل شئ أعطيته الحسن بن علي، تحت قدمي هاتين لا أفي به. ) ... " _ (٢٤)، وعن الهدف الحقيقي وراء دعوة الإمام الرضا (ع) ل (مرو)، والخديعة التي اتخذها المأمون وسيلة لذلك، قال الإمام (قده): " الإمام الرضا (ع) الذي دعوه بالمكر، ماذا أرادوا منه ان يفعل ؟ ... كان مفهوما منذ البدء، انهم لم يدعوه ليسلموه الحكم، بل لم يفسحوا له المجال في اصدار بعض التعليمات والأوامر. " (٢٥). لقد تغنى الشعراء، صادحين بالشعر الرفيع ما استطاعوا، حيث تتربع تائية دعبل الخزاعي، على المنصة، وقد انشدها بين يدي الأمام الرضا (ع):


مدارس آيات خلت من تلاوة
و منزل وحي مقفر العرصات.
قال دعبل: ثم قرأت باقي القصيدة، فلما انتهيت إلى قولي:
خروج امام لا محالة واقع
يقوم على اسم الله والبركات.
فبكى الأمام (ع) بكاءا شديدا. ومما صدح به دعبل أيضا:
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه
و محكمه بالزور والشبهات
تراث بلا قربى وملك بلا هدى
و حكم بلا شورى بغير هداة
إلى قوله:
ديار رسول الله أصبحن بلقعا
و دار زياد أصبحت عمرات
و آل رسول الله غلت رقابهم
و آل زياد زينوا الحجلات. (٢٦).
و إليك ابو فراس الحمداني في قصيدته (الشافية) الخالدة، وهي جواب على قصيدة ابن سكرة العباسي، التي استهلها بالقول:
بنو علي دعوا مقالتکم‌
لا ينقص الدر وضع من وضعه.
فرد عليه ابو فراس:
الحق مهتضم والدين مخترم
و فيئ آل رسول الله مقتسم.
إلى أن قال:
يا للرجال أما لله منتصر
من الطغاة ؟ أما لله منتقم
بنو علي رعايا في ديارهم
و الأمر تملكه النسوان والخدم .
**
باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعته
و ابصروا بعض يوم رشدهم وعموا
عصابة شقيت من بعد ما سعدت
و معشر هلكوا من بعد ما سلموا
لا بيعة ردعتهم عن دمائهم
و لا يمين ولا قربى ولا ذمم. (٢٧). وقال أبو نواس مادحا الإمام الرضا (ع) :

قيل لي انت اوحد الناس طرا

في فنون من الكلام النبيه

لك من جواهر الكلام بديع

يثمر الدر في يدي مجتنيه

فعلام تركت مدح ابن موسى

و الخصال التي تجمعن فيه

قلت لا استطيع مدح امام

كان جبريل خادما لأبيه.

و قال أيضا، عندما ابصر راكبا محاذيا له، ولم ير وجهه، فسأل عنه، فقيل انه علي بن موسى الرضا (ع):

اذا أبصرتك العين من بعد غاية

و عارض فيك الشك، اثبتك القلب

و لو ان قوما يمموك لقادهم

نسيمك حتى يستدل به الركب. (٢٨).

-----------------

1-       حماسه حسینی، الشهيد مطهري، ج٢، ص١٨. ف.

2-       نهج البلاغة، خ ٩١.

3-      حماسه حسيني، الشهيد مطهري، ج٢، ص ٢٠.

4-       الآية ١٥٩، سورة البقرة.

5-      موقع العتبة الحسينية المقدسة.

6-      أصول الكافي، ج١، ص ٥٤.

7-      ابو الفرج الاصفهاني، تحقيق كاظم المظفر. مقاتل الطالبيين، ط٢، ص٣٦.

8-       محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج٤٤، ط٢، ص٤.

9-      الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢ ،ط٢ ،ص ٩ / ١١.

10-   الدينوري، ص٣٠٣.

11-   أعيان الشيعة ٤/ ٤٢.

12-   العتبة الحسينية المقدسة، مركز الإمام الحسن (ع) للدراسات التخصصية.

13-  المصدر السابق.

14-   موسوعة الكلمة، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ج٧.

15-   موقع الشيعة العلمي.

16-   مركز الاسلام الأصيل للثقافة والإعلام.

17 - هو أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، زعيم حركة العباسيين ضد خلافة بني امية. توفى عام ١٣١ هجري.
18- مركز الإشعاع الاسلامي .

19- المصدر السابق .

20- مقاتل الطالبيين ٥٩٩_ ٥٧٩.

21_ العدد القوية، لدفع المخاوف اليومية، لعلي بن يوسف المطهر الحلي ص٢٧٥ .

 22- موسوعة المصطفى والعترة (ع)، ج١٢، ص٥٣٥ .

 23- اي: الإمام الحسن(ع) .

 24- صحيفة الإمام العربية ج٢٠، ص١٠٠ .

 25- المصدر السابق .

 26- المناقب، ابن شهر آشوب ،٢/٣٩٤

27- جاءت في ( الغدير ) كاملة مع مصادرها. ٣ / ٤٠٢ ٣٩٩.
28- مركز الأبحاث العقائدية .

-----------------

_د. سيد حمود خواسته، القسم العربي، الشؤون الدولية .

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء