فاطمة الطباطبائي: تابعوا موضوع المداراة في آثار الإمام الخميني (قدس سره)

ID: 87661 | Date: 2026/10/12

فاطمة الطباطبائي: تابعوا موضوع المداراة في آثار الإمام الخميني (قده)



أُقيمت مراسم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين جمعية العرفان الإسلامي في إيران ودار زرياب للمعرفة والثقافة، في مقر مركز الدراسات التابع لضريح شمس التبريزي. واعتبرت فاطمة الطباطبائي، خلال هذا اللقاء، أن العرفان لغة الفطرة والكرامة الإنسانية والطريق إلى بلوغ السكينة.



وبحسب ما أفادت به وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إيسنا)، قالت فاطمة الطباطبائي، المديرة التنفيذية لجمعية العرفان الإسلامي في إيران، خلال مراسم توقيع مذكرة التفاهم للتعاون مع دار زرياب للمعرفة والثقافة: «إنني آمل كثيرًا أن نتمكن، من الآن فصاعدًا، من إقامة تواصل أوسع وأكثر استمرارية معكم، أنتم محبّي العرفان. ويسعدني كثيرًا أن تكون لجمعية العرفان العلمية، في عامها الثاني والعشرين من النشاط، فرعٌ في مدينة خوي؛ هذه المدينة التي ارتبطت منذ القدم ارتباطًا عميقًا باسم شمس التبريزي وتراثه العرفاني والثقافي، والتي تمتلك اليوم أيضًا إمكانات قيّمة لطرح القضايا العرفانية والمعرفية وتوسيع نطاقها. وإن افتتاح مرقد شمس التبريزي في مثل هذا الفضاء، وبأفضل صورة، مدعاة للسرور. وآمل أن يكون هذا الحدث بدايةً لنشاط واسع ومثمر في مجال العرفان والمعرفة».



وأكدت الطباطبائي: «أعتقد أن لغة العرفان تُعدّ من أفضل اللغات للحوار بين البشر؛ لأنها لغة الفطرة الإنسانية. فالإنسان مفطور على التوجّه إلى الله، وطلب الحق، والبحث عن الحقيقة. وقد يبحث كل شخص عن الحقيقة في مكان مختلف، لكنه يسعى دائمًا، في أعماق وجوده، إلى العثور على ضالّة تمنح حياته المعنى والسكينة. ويمكن للعرفان، ولا سيما العرفان الإيجابي والعرفان الشيعي، أن يشكّل سبيلًا للاستجابة إلى هذه الحاجة الأساسية؛ وهو عرفان احتل مكانة جوهرية في فكر الإمام الخميني (قده)، وكان أحد المرتكزات المعرفية والروحية لحركته في مسار تأسيس الثورة الإسلامية.



لقد بذل الإمام الخميني (قده) جهودًا كبيرة لإنجاح الثورة الإسلامية، وتخلّى عن موقعه العلمي ومكانته الاجتماعية وراحته الشخصية. ونحن جميعًا نعلم أنه كان، في بداية نضاله، من كبار علماء الحوزة العلمية في قم، وكانت له حلقة تدريس ومجالس للبحث والدراسة. ومع ذلك، عندما شعر بأن واجبه الشرعي يتمثل في مقاومة الظلم والسعي إلى إقامة حكومة تُصان فيها مكانة الإنسان وكرامته، نهض بهذه المهمة، وقَبِل في سبيلها النفيَ والكثير من المشاق».



وأضافت: «أقام الإمام، بعد نفيه، سنواتٍ في النجف، حيث كان أيضًا من أبرز أساتذة الحوزة العلمية، وله حلقة دراسية حافلة بالطلاب. وكان يتمتع بمكانة علمية واجتماعية رفيعة، ولم يكن بحاجة إلى اكتساب مزيد من المكانة لنفسه؛ لكنه، عندما شعر بأنه يستطيع اتخاذ خطوة مؤثرة من أجل الشعب الإيراني وتحقيق حكومة إنسانية وإسلامية، عرّض مرة أخرى راحته ومكانته للخطر. وكان مغادرته النجف، ثم توجهه إلى الكويت، وبعد ذلك سفره إلى باريس، جزءًا من المسار الشاق الذي سلكه في هذا الطريق.



وتكتسب الإشارة إلى هذه الوقائع أهميتها من أن حركة الإمام الخميني (قده) قامت على إيمان عميق بكرامة الإنسان. فمن وجهة نظره، فإن الحكومة المنشودة والسليمة هي الحكومة التي تهيّئ الظروف لنمو الإنسان وارتقائه».



وأضافت الطباطبائي: «في بيئة سليمة، يستطيع الناس تنمية مواهبهم بصورة أفضل، وبلوغ الكمال، والتمتع بالكرامة الإنسانية. وفي فكر الإمام الخميني (قده)، الإنسان خليفة الله في الأرض، ولديه القدرة على التحلّي بالصفات والكمالات الإلهية. ولذلك، ينبغي للإنسان أن يسعى إلى تحقيق حقيقة إنسانيته، وأن يخرج استعداداته الكامنة إلى حيّز الفعل.



ومن الحاجات الفطرية للإنسان أيضًا بلوغ السكينة. فجميعنا نحب السكينة والراحة، لكننا قد نخطئ في تحديد الطريق المؤدي إليهما. فقد يرى شخصٌ السكينة في السلطة، ويرى آخر أنها تكمن في الثروة، فيما يراها ثالث في الشهرة؛ مع أن هذه الأمور لا تستجيب بالضرورة إلى احتياجات الإنسان العميقة والداخلية».



وفي جانب آخر من حديثها، قالت: «لقد بيّن الإمام الخميني (قده)، في مؤلفاته، طريق التحوّل إلى إنسان حقيقي وبلوغ الكمال. ففي كتابه شرح الأربعين حديثًا، يتناول الصفات والرذائل الأخلاقية وسبل تهذيب النفس، ويوضح كيف يستطيع الإنسان الابتعاد عن الرذائل والتحلّي بالفضائل الأخلاقية. كما يتناول، في مباحثه المتعلقة بشرح حديث جنود العقل والجهل، الصفات العقلية والجهلانية، وكيفية التغلب على الرذائل الباطنية.



ومن هذا المنظور، فإن شأن الإنسان يقتضي أن يعيش حياة قائمة على التعقّل. فالعقل موهبة إلهية تمنح الإنسان القدرة على التمييز والاختيار وإصلاح ذاته. وبمساعدة العقل، يستطيع الإنسان تطهير وجوده من الشوائب والرذائل، والتحوّل إلى إنسان أكثر استقامة، وأداء دور مؤثر في إصلاح مجتمعه أيضًا».



تصريحات فاطمة الطباطبائي بشأن الأفكار العرفانية للإمام الراحل (قده)



وقالت المديرة التنفيذية لجمعية العرفان الإسلامي في إيران أيضًا: «من الموضوعات التي أقترح على الأصدقاء متابعتها بجدية في آثار الإمام الخميني (قده)، موضوع المداراة والرفق في إطار مباحث العقل والجهل. فكلما اقترب الإنسان أكثر من مرتبة الإنسانية، أصبح أكثر تجلّيًا للرحمانية الإلهية؛ إذ يرفق بنفسه، ويتعامل مع الآخرين بالمداراة واللطف، ولا ينظر إليهم بوصفهم غرباء عنه.



وفي ظل هذه الرؤية، تتضاءل الحدود الفاصلة بين «الأنا» و«الآخر»، ويأخذ الإنسان الآخرين أيضًا في الحسبان، وهم يسيرون في طريق بلوغ السعادة والكمال. ويمكن اعتبار هذه الرؤية من السمات الأساسية للعرفان عند الإمام الخميني (قده). فالإنسان، في هذا العرفان، لا يفكر في نجاته وسعادته الفردية فحسب، بل يرى سعادة الآخرين أمرًا مهمًا أيضًا. والعارف الحقيقي لا يرى نفسه وحدها، بل يرى الآخرين كذلك، ويؤمن بكرامتهم، ولا يستطيع أن يقف غير مبالٍ إزاء انحدارهم الأخلاقي أو ما يعانونه من ألم وحرمان».



وأكدت: «للإمام الخميني (قده) أيضًا رأي مهم للغاية بشأن هداية الآخرين وإرشادهم، وهو أن من يريد إرشاد الآخرين ينبغي له أولًا أن يسعى إلى إصلاح نفسه. فالقوى الداخلية للإنسان، ومنها الغضب والمحبة، يجب أن تبلغ حالة من الاعتدال، وأن يكون العقل هو الحاكم على وجوده.



والإنسان الذي يبلغ التوازن في داخله يكون أقدر على الإسهام في إصلاح المجتمع، وعلى أداء دور مؤثر في نشر السلام والتعاطف والعلاقات الإنسانية. وانطلاقًا من ذلك، فإن من يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو توجيه الآخرين، ينبغي أن يكون وجوده مفعمًا بالمحبة وحسن النية، وأن يتجسّد في سلوكه معنى الرحمانية والرحيمية الإلهيتين.



فالإرشاد ينبغي أن ينطلق من الشفقة والمودة، لا من الغضب أو الإهانة أو الشعور بالتفوّق على الآخرين. والكلمة التي تصدر عن قلب رحيم وفكر متعقّل تصل إلى القلوب، ويمكن أن تترك أثرًا دائمًا في الإنسان والمجتمع».



وتابعت الطباطبائي: «إن ما أقصده من هذه الكلمات هو أن العرفان الذي نريد تناوله وتوسيع نطاقه في جمعية العرفان العلمية، ينبغي أن يستمدّ أصوله من الفكر الشيعي الأصيل والتعاليم العرفانية لأهل البيت (عليهم السلام). ونحن نؤمن بأن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هم أئمة الهداية، وأنهم يتولّون مسؤولية هداية الإنسان والأخذ بيده معنويًا.



ومن هنا، ينبغي لنا أن ندرك أننا نحن أيضًا بحاجة إلى الهداية، وأن نمدّ أيدي الطلب، بوعي وإرادة، نحو أولئك العظماء، ونستفيد من تعاليمهم في سلوك طريق الكمال.



لكن، ما الغاية من الهداية؟ الغاية هي أن نتمكن من بناء حياة طيبة في الدنيا، وأن نبلغ، إلى جانب ذلك، السعادة في الآخرة. ففي فكر الإمام الخميني (قده)، لا يمكن فصل الحياة المعنوية والأخروية عن نوعية الحياة الدنيوية للإنسان. فالحياة المنشودة لا تعني مجرد التمتع بالسلطة أو الثروة أو الشهرة، بل هي الحياة التي تتفتح فيها الإنسانية، وتحلّ فيها العقلانية والفضيلة محل الرذائل، ويستطيع فيها الإنسان أن يعيش بوعي ومسؤولية».



وقالت المديرة التنفيذية لجمعية العرفان الإسلامي في إيران، في جانب آخر من حديثها: «في مباحث جنود العقل والجهل، تُعدّ بعض الصفات، مثل الرياء والحسد والكبر، من أعداء نمو الإنسان وارتقائه. فهذه الصفات تهدد إنسانيتنا وتحول دون ازدهار استعداداتنا الروحية والأخلاقية.



وإذا استطعنا التغلب على هذه الرذائل، والعيش بعقلانية، وتنمية العقل والفضيلة في ذواتنا، فسيكون بإمكاننا أن نأمل بمستقبلنا المعنوي أيضًا؛ لأن ما نُعِدّه لآخرتنا يرتبط بأسلوب حياتنا واختياراتنا اليوم. وبمعنى من المعاني، نحن نبني مستقبلنا الأخروي في هذه اللحظة نفسها، وينبغي لنا أن نسأل أنفسنا: ماذا نُعِدّ لذلك المستقبل؟



وبناءً على ذلك، فإن العرفان الذي يعلّمنا إياه الإمام الخميني (قده)، والذي نأمل نحن أيضًا أن نتناوله في جمعية العرفان العلمية، هو عرفان يهدف إلى ازدهار الإنسانية، والعيش بعقلانية، والتغلب على الرذائل الأخلاقية، وبلوغ الكمال والسكينة».



وأضافت: «مع ذلك، توجد في هذا الطريق مسألة دقيقة أيضًا. فعندما يبلغ الإنسان مرتبة من العقلانية وتهذيب النفس، ويصبح العقل حاكمًا على وجوده، ينفتح أمامه، وفقًا لما يعبّر عنه كثير من العرفاء، أفق آخر من السلوك، وهو العلاقة بين العقل والعشق.



فالعقل، على الرغم من كونه موهبة عظيمة ومرشدًا للإنسان، يظل يعمل ضمن حدود إدراكه وتعيّناته. وفي التراث العرفاني، يجري الحديث عن مرتبة ينبغي للإنسان فيها أن يتجاوز حدود التمحور حول الذات والتعلّقات، وأن يتحرك نحو معرفة أعمق والقرب من الله. وفي هذا الأفق، يحتل العشق مكانة خاصة؛ فهو عشق يستطيع تحرير كيان الإنسان بأسره من الأنانية والتعلّقات المحدودة، وإغراقه بالنور والرحمة واللطف.



ولا يعني هذا الكلام، بالطبع، نفي العقل، بل يعبّر عن أن التراث العرفاني ينظر إلى سلوك الإنسان بوصفه ذا مراتب متعددة، وأن للعقل والعشق مكانتين متمايزتين فيفهم هذه المراتب».



وأوضحت الطباطبائي أيضًا: «لقد أُتيحت لي فرصة العيش إلى جانب إنسان كنت أشعر في وجوده بتجلّيات من هذا الحب واللطف والنورانية. وكان سلوكه مع الآخرين يستند إلى معيار واضح، وينسجم مع ما كان يراه موجبًا لرضا الله سبحانه وتعالى. وكان يُظهر المحبة للأطفال والأيتام، ويقبّل الصغار. وكانت المحبة والحنان تحتلّان مكانة أساسية في هذه التصرفات.



وتذكّرني هذه التجربة بأن العرفان، إذا تحقق في حقيقة وجود الإنسان، فلا بد أن يظهر أيضًا في سلوكه وعلاقاته اليومية.



ومن هنا، أشعر بسعادة كبيرة لأننا نستطيع توسيع أنشطة جمعية العرفان العلمية لتشمل مدينة خوي أيضًا، والعمل معكم، أيها الأعزاء، ومع الأصدقاء والمؤسسات الثقافية والعلمية الأخرى، من أجل تهيئة الظروف اللازمة لإقامة أنشطة مشتركة».



وأضافت: «آمل أن نتمكن، من خلال توقيع مذكرات التفاهم وإقامة أشكال التعاون البنّاء، من العمل يدًا بيد، ونشر فكر عرفاني يفتح أمام الإنسان طريقًا إلى الكمال والارتقاء والسكينة؛ فكر يساعده على تحسين حياته في الدنيا، ويفتح أمامه، في الوقت نفسه، أفق السعادة الأخروية.



وفي الختام، أودّ الإشارة إلى مسألة أخرى، وهي التعبير عن التقدير للجهود المبذولة في مجال التنمية الثقافية في البلاد. ونحن نعلم أن بلدنا يواجه مشكلات وقيودًا وصعوبات كثيرة. فالناس يكابدون مشقات اقتصادية واجتماعية، كما أن مخاطر الحرب وانعدام الأمن تثير القلق باستمرار.



ومع ذلك، نلاحظ أن الأنشطة الثقافية لم تتوقف، وما زلنا نشهد إقامة المؤتمرات، وافتتاح المراكز الثقافية، وبذل الجهود لتوسيع الأنشطة العلمية والمعرفية. وقد توجد آراء نقدية مختلفة بشأن الأداء والسياسات، لكن إلى جانب النقد المنصف، ينبغي لنا أيضًا أن نرى الجهود المبذولة لمواصلة الأنشطة الثقافية، وأن نثمّنها».



وأكدت الطباطبائي: «إن التنمية الثقافية من الاحتياجات الأساسية للمجتمع، واستمرارها، حتى في الظروف الصعبة، أمر قيّم يستحق التقدير. ومن هذا المنطلق، أتوجه بالشكر الجزيل إلى جميع القائمين على تنظيم هذه المراسم، وإلى كل من بذل جهدًا من أجل إطلاق هذه المبادرة الثقافية.



كما أتقدم بالشكر إلى الدكتور حسن‌زاده، المدير التنفيذي لدار زرياب للمعرفة والثقافة، الذي هيّأ الظروف اللازمة لتوقيع مذكرة التفاهم هذه. وآمل أن نتمكن، بمشاركته وتعاون سائر المؤسسات الثقافية والعلمية، من تنفيذ أنشطة واسعة وفاعلة في هذه المدينة.



لقد كان الحماس والاهتمام اللذان لمستهما لدى لقائي بكم في اللقاءات والاجتماعات السابقة باعثين على الأمل بالنسبة إليّ. وآمل أن يكون هذا الفرع، الذي بدأ نشاطه في العام الثاني والعشرين من عمر جمعية العرفان العلمية، تجربة أولى ناجحة وبدايةً لأنشطة أكثر ثراءً وازدهارًا؛ أنشطة تسهم في نشر أهداف الجمعية ومعتقداتها في المجتمع».



كما قالت: «إن الحاجة إلى العرفان والروحانية وإعادة التفكير في معنى الحياة ليست مقتصرة على إيران. فالإنسان المعاصر في جميع أنحاء العالم يواجه أزمات وصعوبات، يعود بعضها إلى الابتعاد عن حقيقة الإنسانية والأخلاق ومعنى الحياة.



وآمل أن نتمكن، بمساعدتكم أيها الأعزاء، من اتخاذ خطوات مؤثرة في هذا الطريق، وأن تكون لدينا، في العام المقبل، عند إقامة الذكرى السنوية الأولى لتأسيس هذا الفرع، إنجازات قيّمة ومُرضية نفتخر بها».


--------------


القسم العربي، الشؤون الدولیة.