روايات عمّا جرى في لقاء الإمام وشيفرنادزه / انطباع شيفرنادزه عن شخصية الإمام

ID: 85392 | Date: 2026/02/27

بعد نحو شهرين من كتابة الرسالة التاريخية التي وجّهها الإمام الخميني (قدس سره) إلى ميخائيل غورباتشوف، وصل ممثّل الرئيس السوفيتي في السادس والعشرين من شباط ١٩٨٩ حاملاً ردّه إلى الإمام. والرواية التي نقلها عن هذا اللقاء جديرة بالقراءة.


ففي الحادي عشر من دي عام 1367 هـ.ش، الموافق للأول من كانون الثاني/يناير 1989، نُشرت رسالة تاريخية من الإمام الخميني موجّهة إلى غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفيتي، تناولت «موت الشيوعية» وضرورة تجنّب اعتماد روسيا على الغرب. (ولمطالعة النص الكامل للرسالة يُراجع: صحيفة الإمام، ج21). وقد قدّم الإمام في تلك الرسالة أعمق التحليلات بشأن التحولات الجارية في الاتحاد السوفيتي، وعبّر عنها بعبارة «سماع صوت تحطّم عظام الشيوعية». والمثير أن الرسالة تضمّنت أيضاً تنبؤاً آخر مقروناً بتحذيرات موثّقة، تدلّ على إحاطته الدقيقة بالوضع السياسي العالمي آنذاك، حيث حذّر بوضوح من انجراف الروس نحو «الحديقة الخضراء ظاهرياً» للرأسمالية الغربية والانخداع بأمريكا.


وفي صباح اليوم الذي كان من المقرّر أن يحضر فيه إدوارد شيفرنادزه، وزير خارجية الاتحاد السوفيتي آنذاك، لتسليم ردّ غورباتشوف، تأخر حضور الإمام إلى قاعة اللقاء على غير عادته، إذ كان يأتي عادةً في الساعة الثامنة تماماً. وقد حضر الوزير السوفيتي برفقة عدد من المسؤولين.


يروي شيفرنادزه أنه عندما أُبلغ بقرب حضور الإمام، دخلت شخصية دينية بسيطة جداً، نحيلة الجسد، مرتدية لباساً روحانياً متواضعاً وقبعة على رأسها. وقد كان الأطباء أوصوا بألا يتجاوز اللقاء خمس عشرة دقيقة بسبب مرض الإمام.


طُلب من شيفرنادزه أن يعرض محتوى رسالة غورباتشوف خلال مدة لا تتجاوز عشرين دقيقة. ويقول إنه بدأ بعرض الرسالة في أجواء صامتة تماماً، بينما كان الإمام يُصغي باهتمام، ويهزّ رأسه أحياناً عند بعض المواضع.


ويصف الراوي مظهر الإمام وهيبته، مشيراً إلى بساطته الشديدة وزهده، وأنه لم يكن يتغيّر أمام المقامات الدنيوية مهما بلغت أهميتها. كما لاحظ أن يد الإمام كانت ترتعش أثناء قراءة الرد، وأنه عند جلوسه بدا في وضع غير مستقر من جهة قدميه، إلا أن سائر جسده ظلّ ثابتاً كأنه تمثال.


أما المترجم، الذي كان معروفاً بإتقانه اللغة الروسية، فلم يستطع في هذا اللقاء أن ينطق جملة دون تلعثم، محاولاً إخفاء ذلك بالسعال وتنحنح الصوت.


وبعد انتهاء ترجمة رسالة غورباتشوف، ردّ الإمام خلال نحو دقيقة واحدة في ثلاث فقرات قصيرة، وبصراحة ومن دون مجاملة، معرباً عن أسفه لأن غورباتشوف لم يلتفت إلى النقطة الأساسية التي كانت جوهر رسالته. ثم، وبينما كان المترجم يشرع في نقل الفقرة الثالثة من كلام الإمام، نهض الإمام متوجهاً إلى الداخل، في مشهد جمع بين الهيبة وسرعة الحركة، بحيث لم يتمكن أحد من التحرك من مكانه أو الاقتراب للمصافحة أو تقبيل اليد.


ويؤكد النص أن البساطة في حياة الإمام كانت سمةً ملازمةً له في جميع مراحل حياته، سواء في زمن الوحدة والمنفى أو في فترة الزعامة الدينية والقيادة السياسية حتى لحظة رحيله، وأن محور رسالته إلى غورباتشوف كان دعوته إلى فتح نافذة نحو العالم الأبدي بعد الموت، وعدم الارتهان للمادية البحتة.


-----------


القسم العربي، الشؤون الدولیة.